علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
135
الممتع في التصريف
وكذلك « البلعوم » أعني أنه ليس بصفة مشتقّة من « البلع » ، بل هو اسم - كما ذكرنا - لمجرى الطعام في الحلق . فلعله اسم له ، لا من حيث لحظ فيه معنى « البلع » ؛ ألا ترى أنّ البياض الذي في طرف فم الحمار يسمّى « بلعوما » ، وإن لم يكن رجوعه إلى معنى « البلع » . فكذلك ينبغي ألّا يجعل بالنظر إلى مجرى الطعام في الحلق . وأمّا « الصّلقم » فيمكن أن يكون غير مشتقّ من « الصّلق » ، لأنهم يقولون « جمل صلقم » أي : ضخم . فلعلّ الشّديد الصياح قيل له « صلقم » ، لضخامة صوته ، لا لأجل الصراخ نفسه . إذ قد وقع هذا اللفظ على ما ليس براجع لمعنى « الصّلق » ، وهو الضخم من الإبل . وأمّا « السّرطم » فإنه يحتمل - وإن كان واقعا على الواسع الحلق ، السريع الابتلاع - ألّا يكون مشتقا من « السّرط » بمعنى البلع ، لأنهم قد يوقعون « السّرطم » على القول اللّين ، فيكون الرجل الواسع الحلق وصف ب « سرطم » ، لسهولة الابتلاع في حلقه ولينه عليه ، لا لنفس « السّرط » الذي هو الابتلاع ، كما أنّ « السّرطم » إذا عني به القول اللّيّن ليس براجع لمعنى « السّرط » . فإذا أمكن في هذه الألفاظ حملها على ما ذكرت لك كان أولى من جعل الميم زائدة غير أوّل ، لقلّة ما جاء من ذلك . وزعم أبو الحسن ، وأبو عثمان المازنيّ ، أنّ « دلامصا » « 1 » من ذوات الأربعة ، وأنّ معناه كمعنى « دليص » « 2 » ، وليس بمشتقّ منه ، فجعلاه من باب « سبط وسبطر » . والذي حملهما على أن يقولا ذلك في « دلامص » ، ولم يقولاه في « زرقم » و « ستهم » وأشباههما ، قلّة مجيء الميم زائدة حشوا ، بل إذا جاءت زائدة غير أوّل فإنما تزاد طرفا . وكذلك ينبغي أن يكون « قمارص » « 3 » عندهما . وبالجملة ليس « دلامص » مع « دليص » ك « سبطر » مع « سبط » ، لأنّ الذي قاد إلى ادّعاء أنّ « سبطا » و « سبطرا » أصلان مختلفان أنّ الراء لا تحفظ زائدة في موضع . وأمّا الميم فقد جاءت زائدة ، طرفا غير أول ، فيما ذكرنا ، وحشوا في « تمسكن » وأخواته ، وأوّلا فيما لا يحصى كثرة . فإذا دلّ اشتقاق على زيادتها فينبغي أن تجعل زائدة ، إذ باب « سبط وسبطر » قليل جدّا ، لا ينبغي أن يرتكب ، إلّا إذا دعت إلى ذلك ضرورة .
--> ( 1 ) الدلامص : البرّاق : لسان العرب ، مادة ( دلمص ) و ( دملص ) . ( 2 ) الدليص : الدرع البراق اللينة ، لسان العرب ، مادة ( دلص ) . ( 3 ) القمارص : القارص ، لسان العرب ، مادة ( قرص ) .